Sunday, October 02, 2005

حوار

هذه تدوينة متأخرة أسبوعان، كتبتها ثم نسيتها. و ذكّرني بها ما كتبه جار القمر بعنوان جنون.
و هي عن شخص أحبه جداً ، أولاً لعلاقة شخصية عزيزة بيننا و ثانياً لأنه أحد الشخصيات الفذّة التي تعيش في عصرنا الحالي و أحد قليلين ما زالوا يعيشون الإخاء الديني بالفعل، بتلقائية بعيدة عن اللحى المتعانقة و الأيادي المتشابكة



منذ أسبوعين احتفل الأب كريستيان فان نسبن اليسوعي بمناسبة مرور 50 عاماً على رهبنته
أدعوكم لقراءة هذا الحوار معه، نقلاً عن جريدة الرأي العام الكويتية بتاريخ 16/8/2004

مقدمة

يقف الأب كريستيان فان نسبن موقفاً متفرداً، فهو ليس مجرد رمز من رموز الحوار الاسلامي ـ المسيحي، عبر موقعه كراهب هولندي الأصل يتبع رهبنة الآباء اليسوعيين، ولكن بالأساس لأنه يعيش في مصر منذ مجيئه اليها عام 1962، جامعاً بين خبرة كنيسته الكاثوليكية الأوروبية في الحوار الاسلامي ـ المسيحي، وبين خبرة المعايشة مع أبناء «وطنه» الجديد في مصر، والتي اختارها لاقامته الدائمة، وبين تجربته في دراسة الفلسفة الاسلامية في كلية الآداب، جامعة عين شمس، حيث انتظم في الدراسات العليا في قسم الفلسفة، ثم أكمل دراسته للفلسفة الاسلامية في جامعة «السوربون» في فرنسا، ونال درجة الدكتوراه حول «تفسير المنار للقرآن الكريم للشيخ محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا»، والأب كريستيان منخرط تماماً في النشاط الاجتماعي والثقافي في مصر، فبالاضافة الى عمله أستاذاً للفلسفة في كلية العلوم الانسانية واللاهوتية في القاهرة، فهو يشغل منصب العضو الاستشاري للجنة الفلسفة في المجلس الأعلى للثقافة، وعضو لجنة الفلسفة والديانات في مكتبة الاسكندرية، وعضو الجمعية الفلسفية المصرية، وعضوية جمعية «الاخاء الديني» التي يقول عن نشاطه فيها: انه الأقرب الى قلبه، هذه الرحلة الغنية، بخبراتها المركبة، يرصدها الأب كريستيان في كتابه الأخير «مسيحيين ومسلمين، اخوة أمام الله»، والذي صدر باللغة الفرنسية العام 2003، ويجري اصدار نسخته العربية عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة، وربما يلخص الاهداء الذي يتصدر هذا الكتاب عمق الفهم الروحي والانساني للأب كريستيان، فهو يكتب: «لذكرى محمود رجب، أخي في الله، كانت صداقته ينبوعاً لهذا الكتاب»

نص الحوار

مسافة بعيدة تفصل بين عمل المستشرق عن حياة الراهب، بالنسبة لك، كيف تنظر الى الحدود الفاصلة بين المجالين في تجربتك؟

بالنسبة لي، فأنا أبعد ما أكون عن صفة المستشرق، الاستشراق يعني: النظر الى الشرق من الخارج، وهو ما لا ينطبق على طبيعة رحلتي ودوري، أنا أنتمي لهذه المنطقة وخصوصا مصر، صحيح أنا لست مصري الأصل، لكنني صرت منتمياً لها، أما بالنسبة للاستشراق، فهو ليس حالة نمطية ثابتة، فهناك العديد من أنواع الاستشراق، وهو باعتباره ظاهرة علمية تهدف لدراسة العالم الاسلامي عموما، والعالم العربي الاسلامي خصوصا، كان دائماً محل تشكيك، مابين رؤيته، باعتباره نشاطاً علمياً خالصاً ينصب على الشرق، وبين رؤيته كمجرد «مؤامرة»، وفي كلتا الحالتين ينبغي تجنب التبسيط والتعميم، فالى جوار الدراسات المهمة ذات الطبيعة العلمية لموضوع الشرق والتي أنجزها مستشرقون، كان هناك نوع آخر من الاستشراق يسعى لخدمة السيطرة والهيمنة الاستعمارية، وعموما فالدراسات الاستشراقية، مثلها أي نوع آخر من الابحاث التي يجري انجازها تحت لافتة ما يسمى بالدراسات، قد تكون مدفوعة بأغراض غير البحث العلمي الخالص، بل لخدمة أغراض معينة، دائما ما تكون هناك غاية ما للبحث العلمي، والمهم كيف يجري توظيف المعرفة المحتملة لهذه الأبحاث، هل يجري توظيفها لخدمة التفاهم بين البشر، أم للإضرار بقيمهم الانسانية المشتركة.

كثيراً ما يجري الربط بين الاستشراق والاستعمار بالتبشير المسيحي، كيف ترى تأثير هذا الربط على طبيعة الحوار الاسلامي ـ المسيحي؟ـ

لا شك أن هذا الربط يؤثر على طبيعة الحوار المسيحي ـ الاسلامي، لذلك أحب أن أوضح ما في كلمة «تبشير» من التباس، اذ يجري فهم التبشير المسيحي، باعتباره مجرد دعاية لدين على حساب دين آخر، ولكنني أراه أقرب لمفهوم الشهادة منه لمفهوم الدعاية، كلمة دعاية تصلح للتعبير عن الترويج لأفكار حزبية، بهدف جذب أفراد لصالح حزب ما ضد أحزاب أخرى، وهو معنى فقير وضيق، وان كان يلائم المجال السياسي، فهو لا يليق بالمجال الديني، أما الشهادة فهي فهم مختلف تماما، لأن لكل دين شهادته، وبهذا المعنى فالشهادة التي يوفرها الدين للمؤمن لا تتضمن معنى الدعاية، فكل يعيش ايمانه، وحياته نفسها هي شهادة على هذا الايمان، والايمان الحق لا يؤدي بالضرورة الى استبعاد الحقيقة عن ايمان الآخرين، وبهذا المعنى، فحوار المسلمين والمسيحيين انما هو شهادة متبادلة، نبيلة ومحترمة، لا يجوز لها أن تكون دعاية دين ضد آخر والا افتقد الحوار معناه، فأصحاب الحوار هم معاً في شراكة كاملة أمام الله وبحضور الله.

لماذا اخترت التخصص في دراسة الفلسفة الاسلامية، أو ما الذي كان يريده الراهب اليسوعي من اختيار الحياة في الشرق ودراسة الفلسفة الاسلامية؟

ــ لقد جاءت خبرتي الشخصية في العلاقة مع الشرق الاسلامي من خلال رهبنة الآباء اليسوعيين التي انضممت اليها العام 1955 بعد انهاء تعليمي الثانوي، فلقد تيسر لي اكتشاف رحلتي الخاصة عبر الالتزام الرهباني، فالتحقت بهذه الرهبنة المنتشرة في معظم أنحاء العالم، كنت على استعداد للخدمة في أي مكان، وسوف يدهشك أن أذكر لك أنني كنت أتمنى الخدمة في اندونيسيا، التي حلمت بالسفر اليها منذ كنت طفلاً صغيراً، ولكن حلمي هذا لم يتحقق الا وأنا في الستين من عمري، حين اشتركت في أحد المؤتمرات، في عام 1960 سافرت الى لبنان، وأقمت هناك لمدة سنتين، وفي لبنان تعلمت اللغة العربية والثقافة العربية الاسلامية، وكانت دراسة ممتازة وكثيفة، ومع تعلمي اللغة العربية تعلمت كيف تكون اللغة طريقاً لفهم الآخر والتعلم من قيمه وثقافته، وليست مجرد وسيلة لتوصيل الأفكار، لقد أتاحت لي هذه الدراسة قراءة العديد من نماذج الأدب العربي القديم والحديث، بل وحفظ نماذج من الشعر الجاهلي ومن الشعر المعاصر، اضافة الى دروس الترجمة من الفرنسية الى العربية والعكس، ولما قررت اكمال دراسة الفلسفة اخترت الفلسفة الاسلامية، جئت لمصر العام 1962، وما أن دخلت مصر حتى دخلت مصر في قلبي ودمي بثقافتها وحضارتها والعشرة الطيبة لأهلها، وتحديداً في قسم الفلسفة في جامعة عين شمس، بدأ احتكاكي الحقيقي بالاسلام عبر تعاملي مع المسلمين، حيث قابلت هناك صديق عمري محمود رجب، كان حينئذ معيداً في القسم ويزاملني في الدراسات العليا، ولقد استمرت صداقتنا حتى وفاته في عام 2002، وأنا اليوم أدرك أن دراستي للفلسفة والحضارة العربية الاسلامية قد مرت عبر علاقاتي بالأشخاص، وهو ما رصدته في كتابي «مسيحيين ومسلمين: اخوة أمام الله»، ان دراسة دين ما هي شيء يختلف عن دراسة الفلسفة، فلا يشترط لكي أدرس فلسفة معينة أن تربطني علاقة بأشخاص ينتمون لهذه الفلسفة، بينما ينبغي أن تمر دراسة دين ما عبر المؤمنين به، لأن الدين هو أساساً تعبير عن موقف ايماني، موقف علاقة بالله، وبالتالي فلا يمكن معرفة دين آخر من غير معرفة ناس مؤمنين ينتمون لهذا الدين، وكيف ينعكس ايمانهم على حياتهم.

تميز في كلامك بين المعرفة النظرية بدين ما، وبين المعرفة المباشرة عبر الاحتكاك بالمؤمنين بهذا الدين، كيف تبلورت معرفتك بالاسلام والمسلمين عبر رحلتك؟

ـ كانت معرفتي النظرية الأولية بالاسلام من خلال دراسة رموز الفلسفة العربية والاسلامية مثل ابن رشد وابن سينا وغيرهما، وتأثيرهم على فلسفة العصور الوسطى الأوروبية، فضلاً عن فكرة بسيطة عن أساسيات الاسلام، وفكرة موضوعية، نوعا ما، عن أهمية الاسلام والحضارة الاسلامية بالمعنى الثقافي؛ ولقد تأثرت كثيراً بمعرفتي بمحمود رجب، التي صارت صداقة ممتدة منذ تعرفي به، وهي صداقة امتدت لأسرته التي تعاملت معي كواحد من العائلة، ولقد كان أبوه الشيخ رجب، الذي أنهى حياته الوظيفية مديراً للمعاهد الأزهرية في القاهرة، يعيش ايمانه من دون أي تعصب وبلا أدنى تظاهر، وبأقصى قدر من صدق المشاعر الانسانية، وكان الشيخ يقدمني للآخرين بوصفي أخا لمحمود، وأذكر في سنة 1966، حينما كنت أتأهب للسفر الى فرنسا لدراسة اللاهوت، أن طلب الشيخ رجب من ابنته فاطمة، وهي مازالت صديقة غالية، وكانت تدرس، حينئذ، في كلية الفنون الجميلة، أن ترسم لوحة تكون هديتهم لي في مناسبة سفري، ورسمت لوحة جميلة للعذراء تحمل ابنها، كانت هذه الهدية، بالنسبة لي، رمزاً لعلاقة مستمرة بهذه العائلة، ولاشك أن هذه العلاقة الانسانية التي ربطت بيني وبين عائلة الدكتور محمود رجب، هي مثال لصداقات أخرى كثيرة مع مسلمين جعلتني، كما قلت من قبل، اكتشف وأتفهم الموقف الايماني في الاسلام.


بحكم التخصص في الدراسات الاسلامية، ما الدور الذي تراه قريباً الى نفسك؟

ـ أنا أتصور أن التفاهم يتطلب فهماً، وعندما انصرف تركيزي الى دراسة الفلسفة الاسلامية، وخصوصا الفكر الحديث، وهو التخصص الذي نلت عنه درجة الدكتوراه، كان الهدف فهم وتفهم الثقافة والفكر والايمان الاسلامي، وهكذا صار الاسلام والمسلمون جزءا من الأنا الشخصية التي تخصني، وهو مفهوم يختلف عن الذوبان، وانما هو أقرب لمفهوم الوحدة في الاختلاف، ولقد اخترت من ذلك ما ساعدني كثيرا على تعميق التفاهم، ومع الوقت اكتشفت أن دوري هو صنع الجسور بين الناس، بين المسلمين والمسيحيين، بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية، وعموماً بين حضارات وثقافات وأشخاص مختلفين، فحيث يوجد اختلاف أجد دوري في مد جسور للعلاقة والاتصال، فلكي يكون الواحد جسراً حقيقياً يربط بين ضفة وأخرى، يجب عليه أن يبذل جهداً حقيقياً.

بحكم موقعك، كيف ترى علاقة المسلمين والمسيحيين في مصر، وهل حدثت تغيرات في السنين الأخيرة ؟

ـ علاقة المسيحيين والمسلمين في مصر تجربة متفردة، لأنها علاقة مشاركة في وطن حقيقي واحد منذ بداية انتشار الاسلام الى الآن، ولقد أنضجت هذه العلاقة المتفردة تحديات واختبارات ومعاناة، ومن المؤكد أنها قد تأثرت بالمتغيرات القوية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي حدثت منذ سبعينات القرن الماضي، لكن مثل هذه العلاقة العريقة تستطيع أن تبقى حية على الرغم من كل المؤثرات، ونتيجة للغنى العميق الذي يميزها، وهذا لا يعني أن نأخذ هذه العلاقة كقضية مسلم بها تتحرك بشكل آلي، انها علاقة تبلورت عبر الممارسة والحياة اليومية والهموم المشتركة، وهي تحتاج دائماً، وخصوصا هذه الأيام، للتجديد من أجل اعادة الحياة الحقيقة لها، من خلال الأساس القوي والارث التاريخي المشترك الذي يتأسس عبر مفهوم الوحدة في الاختلاف.

13 Comments:

At 11:32 AM, Anonymous Anonymous said...

شكراً يا مينا، عن جدّ أشكرك.

 
At 3:28 PM, Blogger ميشيل حنا said...

عزيزي دكتور مينا
بعيدا عن موضوع الحوار، عايز أقول لك أني قعدت امبارح أقرا في المدونة بتاعتك لغاية 3 الصبح وأنا مش حاسس بالوقت ولا بإن عندي شغل الصبح.
سعيد جدا باكتشاف مدونتك.

 
At 5:25 AM, Blogger R said...

لا أعرف ماذا أكتب في التعليق...

هذا الرجل أحبّه حبّاً جماً، وأحترمه احتراماً لا مثيل له،
وأثق به ثقةً كبيرة،
وهو من القليلين الذين أنظر في عينيه حين يتكلّم فأصدقه، وما أندر هذا بين المتحدثين في الدين والسياسة.
ـ

 
At 5:25 AM, Blogger R said...

لماذا لا تكتُب أكثر عن معرفتك به، بدلاً مما كتبته الصحف؟

 
At 10:48 PM, Blogger Zeryab said...

بالفعل العلاقة بين المسلمين والمسيحين فى مصر علاقة عريقة ومتفردة ..لكنى أشعر فى هذه الأيام انها تتعرض لهزة واختبارات صعبة نتيجة للهجمات الوهابية وحساسية بعض المسيحين المفرطة

 
At 2:16 AM, Blogger ghandy said...

أنا بجد مش عارف أعلق إزاي

أنا وأنت ورامي فكرنا في نفس الموضوع في نفس الوقت

واضح إنك نشرت الأول رغم إني شفتها دلوقت بس، وثاني يوم أنا نشرت هنا، ورامي علق عندي وقال إنه كان بيحضر علشان ينشر

ما صنعه هذا الأب بحياتنا يستحق أكثر من مدونة

 
At 9:36 AM, Blogger ibn_abdel_aziz said...

اول منزل مصر تاخدني اشوفه غلطول يا مينا

هو لسة هناك ؟؟

 
At 2:12 PM, Blogger Pianist said...

انا اتفق مع راء
انا بالفعل بعد ماقريت الموضوع كنت حاسس اني عايز اعرف الراجل د من قريب اكتر من كده

 
At 2:49 PM, Blogger African Doctor said...

فعلاً كنت أريد أن أكتب عن معرفتي به لكنني فضّلت أن أقدمه لمنلا يعرفه عن طريق كلماته هو
كيف يصف الأب كريسيتان نفسه،و هذا ما دفعني لنشر هذا الحوار

أما الحديث عنه فهو لاينتهي، رجل يجمع في شخصه معاني الحب الشامل و الرجاء الحقيقي
يكفي ابتسامته الدائمةو اهتمامه الشخصي بكل من حوله

ربما هو أحد القلائل الذين لا يفرضون رؤيتهم الخاصة على من يستشيرهم، فهو يظل محايداً بالفعل إذا ما أرشدك روحياً
و هذا في رأيي فن يصعب أتقانه
يعطي فرصة أكبر لاكتشاف الإنسان ذاته ورسالته بنفسه

في الكلمة التي أرسلها له رئيس الرهبنة اليسوعية في العالم للتهنئة، جملة ترددت في ذهني:"هناك أشخاص يعيشون دعوتهم بعفوية بالغة " الأب كريستيان هو بالتأكيد أحد هؤلاء!

سآخذك له يابن عبد العزيز، هو مازال في مصر هذه الأيام

 
At 10:07 PM, Blogger haisam (jarelkamar) said...

و انا معكم يا مينا .. ارجو بابلاغي عند الترتيب للزياره

 
At 2:05 PM, Blogger African Doctor said...

متهيألي شريف هايرجع آخر الشهر
لما يرجع نرتب ميعاد و نقابل أبونا كريستيان

 
At 10:28 PM, Blogger ensana said...

مينا، ممكن تبقى تقول لي على معاد المقابلة يمكن أقدر آجي معاكم؟

 
At 11:20 AM, Blogger ChaösGnösis said...

Mina,
Excellent "story", those are the xamples we need desperately those days. Father Christian seems to be a true human being regardless of his beliefs.

I came to your blog searching for any news or references to "what happened in Muharram Bek". which I was not aware of before an e-mail from Wa7ed mn Misr.

In the midst of all the sad and ignorant events in Alexandria, the very few true humanists, like Father Christian, are an amazing sign of hope for this beloved Egypt of ours.

Thank you Mina for a glimmer of light in the darkness...

 

Post a Comment

Links to this post:

Create a Link

<< Home

--