Friday, November 11, 2005

رعاية

مافيش أمل
أردد في ذهني بينما أعود كل يوم من عملي في وحدة العناية المركّزة. اليوم تنتهي مدّة عملي هناك، و لذا أكتب بعض اللقطات لأنقل الصورة كما هي. و بلا تعليق إلا في أضيق الحدود

1
أعمل ايام العيد... بالطبع الموظفون غائبون، فهي إجازة رسمية. لكن دفاتر الحضور و الانصراف موجودة دائماً. أسأل قبل العيد: "هل نوقّع ايام العيد؟" و يجيبني أحدهم بلا مبالاة: "طبعاً يا دكتور، مواعيد العيد زي مواعيد قبل رمضان" أضحك في سري، فإن كان رمضان مواعيده أخف من باقي العام فالأولى أن تكون مواعيد العيد مثله إن لم تكن أخف. على أي حال لا تفرق معي مواعيد رمضان ولا شعبان، أحرص أن أجيء في موعدي لأنني أعتبر نفسي طبيباً لا موظفاً.

2
صباح أول أيام العيد، و أنا مازلت مريضاً بالبرد اللعين. أوقّع في الدفتر بينما يزجرني الجالس على المقد بنظرة شرسة. "ماينفعش كدة!"
- ما ينفعش إيه؟
- ما ينفعش تفضل عيان و أنت في الرعاية
أندهش من المنطق - حتى رفاهية المرض لا أنالها في مستشفاهم اللعين! -
- آسف، المرة الجاية مش هاعيا
...
منتصف النهار، معدل الوفيات رهيب و لا أستطيع تبين سبب مباشر.في الرعاية نقوم بإسعاف القلب و الرئة للمرضى الذين يتوقف نبضهم، نقوم بالإسعاف لمدة عشرين دقيقة فإذا لم تحدث استجابة نقرر الوفاة. ألاحظ تردد "الموظف" الذي وقعت عنده في الصباح على أسرة الحالات الحرجة
- فيه حالات "اريست" يا دكتورة؟
يقصد cardiac arrest أي توقف القلب
ترد عليه النائبة أن هناك حالتَين متوقعتين في أي لحظة
- طيب ياللا افصلي الجهاز عنهم و خلاص!
أسألها: من هذا الشخص؟ و ما سلطانه الذي يُدخله العناية المركّزة بلا استئذان بل و يمر على المرضى؟!!
تجيبني في بساطة : (و كأنني كان المفروض أن أعلم) ده الحانوتي!

3
اتضح أن الموظفين - و هم لا يعملون في العيد - قد عهدوا بدفاترهم و بمفاتيح المستشفى للحانوتي. فهو بالطبع يعمل حتى في العيد و متواجد دائماً بقرب الرعاية لكثرة الطلب عليه.
(أقرأ في كتابٍ معي أن الرعاية لا بد أن تكون بجانب معمل و بنك للدم و غرفة عمليات - هذا في إنجلترا - في مصر يجب أن يكون الحانوتي متوفراً حتى لو كان بنك الدم على بعد أكثر من كيلومتر يستوجب عبور النيل!)

4
شك النوّاب في إصابة إحدى المريضات بالاتهاب السحائي (الحمّى الشوكية). و حين اتصلنا بالأستاذ المسئول عن الرعاية أخبرنا أنه إن صحّ الافتراض فإنه يجب إرسال المريضة لمستشفى الحمّيات و إغلاق الرعاية لتعقيمها لمدة ثلاثة أيام.
اتصلنا بمستشفى الحميات، فردّ علينا النائب النوبتجي بأن هذه المريضة تتطلب العناية المركزة و أنه لذها يجب عليها أن تدفع 750 جنيهاً نظير هذا. كان أهل المريضة قد اختفوا منذ الصباح بعد أن علموا بإصابتها و لم يظهروا بعد ذلك!
طبعاً النائب لم يكتب ما قال بل كتب ببساطة أنه لا توجد لديه أماكن بالمستشفى.
أما مدير المستشفى التي نحن فيها فقد اهتم بالأمر جداً حتى أنه امر بصرف "ريماكتان" و هو دواء الحمى الشوكية مجاناً لجميع العاملين بالرعاية!! و نصحنا باستخدام الكمامات عند التعامل مع المريضة، كما وعد بتقديم شكوى في نائب مستشفى الحميات ثم ترك العناية المركزة بأسرع خطوة ممكنة.
في النهاية لم يفعل أحد شيئاً، حتى قررنا نحن أن نرسل المريضة إلى الحميات بسرعة خوفاً على باقي المرضى و بالفعل قمنا بهذا. الطريف أن حالات الحمى الشوكية ظهرت في اليوم التالي و أظن أنها تستمر في الظهور طالما لا إجراءات حقيقية تتخذ.

14 Comments:

At 8:11 PM, Blogger Alexandra said...

في أمل يا دكتور لأنك فارق معاك. ولأن في كذا حد فارق معاه. انا قلتلك الكلام ده لما أتقابلنا بس مش عارفة حتعرفني ولا لأ. صدقني في أمل بس عايز صبر ايوب

 
At 8:14 PM, Blogger African Doctor said...

و من يمتلك صبر أيوب؟
أو حكمة الأنبياء؟

 
At 10:26 PM, Blogger ibn_abdel_aziz said...

جايلك يا مينا :)
متفيصشي دلوقتي

 
At 11:49 PM, Blogger Eman M said...

أنا عشت موضوع الحمى الشوكية مع والدتى الإسبوع اللى فات، طفل عندها فى المستشفى اتأكدوا من حالته، رفضت عربية الإسعاف نقله لمستشفى الحميات خوفا من العدوى
كلموهم تبعتلهم عربية من عندها تيجى تاخده..رفضت
فضل الطفل مرمى محدش بيعتنى بيه لا هنا و لا هنا .. لحد ما مات

خلص الكلام منى

 
At 10:53 AM, Blogger African Doctor said...

ماعادش فيه كلام ينفع خلاص
و مافيش اختيارات غير الهروب عشان النجاة
المركب بتغرق و مافيش أي حاجة تقدر تمنعها

 
At 7:28 PM, Blogger Zaytuna Sharqua said...

الطريف أن حالات الحمى الشوكية ظهرت في اليوم التالي و أظن أنها تستمر في الظهور

الطريف أن المركب بتغرق و مفيش أى حاجة تقدر تمنعها
.............
أتمنى أن اكون متوهمة و لكن أنا بعيدة عن الوهم.

لا يعزينى هذة الايام سوى الافكار الرديكالية المجنونة و الحلول الانقلابية بره كل السياقات علشان اطرد اشباح اليأس و الاحباط التى تكبل الروح.

و النتيجة أن الحلول موجودة و سهلة و لا يمنع تحقيقها شىء، سوى النوايا التى لم تعقد عليها.
جربت هذة الوصفة على المستوى الشخصى و نجحت أم البلد فلا تنوى على شىء .
المركب بتغرق و محدش ناوى ينقذها.
الواحد لما بينقذ نفسه و كام واحد حوليه على الاقل بينام مرتاح الضمير و على الدنيا السلام.

 
At 1:43 AM, Blogger SPRING said...

انت بتتكلم جد يا دكتور ولا بتهزر؟
يعني ايه ام الحانوتي - حاااانوتيييي؟؟؟؟؟؟- يدخل و يقول معلش اصلي عايز استرزق موتوا ابن الكلب ده؟؟؟ هو احنا فين؟ و بعدين ايه العيانة اللي اهلها سابوها بعد ما عيت ، يعني ايه؟ موش فاهم؟ سيادتهم خلاص قالك لما تموت نيجي ندفنها؟ و ايه الخيبة بتاعت الغرفة الل موش ناوين تعقموها
يا عم ايه القرف ده انا كده موش هاعرف انام

 
At 4:23 PM, Blogger The Eyewitness said...

The crisis of conscience. Is there a solution I don't know? But what I believe in; that the solution is not in more regulations or different systems, we have to work on the conscience of people. We have to work on religious principles that ask us to be honest towards our work, our family, our community, our country...not on religious principles that ask us only to practice some rituals. These principles should be taught in schools, in universities, in mosques, in churches, in all kinds of institute...There should be kind of support from all those who really care about the conscience of this country to encourage them more and more to attach to their principles and not to give up. Give a good example is much more important than saying thousand words.

 
At 7:21 PM, Anonymous Jouly said...

7aram 3alek el bete3melo fina da :'(

 
At 2:30 AM, Blogger ايــــــــــــــــــوب said...

ولا حتى صبر أيوب ينفع

 
At 11:21 AM, Blogger FROGGY said...

all i can say is that there is always a hope even if so little that we can't see it, but it is still there...

http://i.euniverse.com/funpages/cms_content/2529/4candles.swf

 
At 2:00 PM, Blogger African Doctor said...

زيتونة، الأمر اعقد من أي حلول فردية
المركب فعلاً بتغرق، طريف هذا أو غير طريف لا يهم الآن.. المهم هو إدراكنا له

"أنا لايمكنني أن أشاهد جنازة و أرقص أمام النعش" قال جبران
النعش أمامنا و لكننا نريد أن نرقص و أن نجعل الآخرين يرقصون

سبرنج: لم أنم منذ أسبوعين، أي منذ أن بدأت العمل في الرعاية و تنتابني كوابيس إذا حاولت أن أنام

جولي: انا آسف.. لكن الواقع يفعل فينا أكثثر من مجرد مقال على مدونة

 
At 2:34 PM, Blogger Pianist said...

الحل صعب انه يكون فردي
واحد بس عمره ماهيقدر يغير نظام كامل بيتعاون فيه الصغير والكبير ضد مصلحة المريض
عايز اقولك اني بتعامل كتير اوي مع دكاترة وبادخل مستشفيات خاصة وعامة بحكم عملي بيخليني استغرب من كتر الفساد وعدم الاهتمام بالمرضي شيء بقي رهيب

 
At 3:31 AM, Blogger karim moheb said...

ما هى قيمة الانسان فى مصر ؟؟
هل هو شئ ؟؟ ام دم و لحم ؟؟

 

Post a Comment

Links to this post:

Create a Link

<< Home

--